فخر الدين الرازي
202
القضاء والقدر
يعلمنا الاستخارة في الأمور ، كما يعلمنا السورة من القرآن . يقول : « إذا همّ أحدكم بالأمر ، فليركع ركعتين من غير الفريضة » ثم ليقل : « اللهم إني أستخيرك بعلمك ، واستقدرك بقدرتك ، وأسألك من فضلك العظيم . فإنك تقدر ولا أقدر ، وتعلم ولا أعلم ، وأنت علام الغيوب . اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لي في ديني ومعيشتي ، وعاقبة أمري ، فاقدره لي ، ويسره لي ، ثم بارك لي فيه . وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي في ديني ومعيشتي وعاقبة أمري ، فاصرفه عني واصرفني عنه ، وأقدر لي الخير حيث كان ، ثم أرضني به » قال : ويسمي حاجته . قال أبو عيسى : هذا حديث صحيح . واعلم : أن الاستدلال به من وجوه : الأول : إن الفعل الذي يطلب الاستخارة فيه . لا شك أنه قادر عليه ، نظرا إلى سلامة الأعضاء ، وصحة المزاج . ثم إنه مع ذلك طلب من اللّه تيسيره له ، إن كان له في مصلحة ، وصرفه عنه ، إن كان له فيه مفسدة . وهذا التيسير والصرف لا معنى له إلا إلقاء داعية الفعل في القلب ، أو إلقاء داعية الترك فيه « 1 » . فهذا الحديث يدل على أن صدور الفعل عن العبد ، يتوقف على إلقاء تلك الداعية في قلبه ، ويدل أيضا على أنه متى حصلت تلك الداعية الجازمة في القلب ، فإنه يحصل ذلك الفعل ، لا محالة . والوجه الثاني : قوله : « أقدر لي الخير ، حيث كان » وهذا يدل على أن الكل بقدر اللّه . والثالث : قوله : « ثم أرضني به » وهذا يدل على أن حصول الرضا في القلب تارة ، والسخط أخرى . ليس إلا من اللّه تعالى . قالوا : لم لا يجوز أن يكون المراد من التيسير ، فعل الألطاف ، وتحصيل المعدات ، وإزالة العوائق ؟ وأما قوله : « فاقدره لي » فالمراد : فاكتب لي ذلك . والجواب : إن مذهبكم أن العبد قادر على ذلك الفعل ، وعلى ضده ، وأن ترجيح أحدهما على الآخر ليس إلا من العبد ، وليس للّه في ذلك الترجيح ، صنع ، ولا عمل البتة . وإذا كان كذلك ، كان طلب هذا التيسير عبثا ولغوا .
--> - والنسائي في النكاح باب كيف الاستخارة ( 6 / 80 - 81 ) ؛ وابن ماجة في الإقامة باب ما جاء في صلاة الاستخارة ( 1 / 440 رقم 1383 ) ؛ وأحمد ( 3 / 344 ) . ( 1 ) هذا فيما يتعلق بالأمر القلبي ، أما فيما يتعلق بالخارج من ناس وأشياء وحوادث وكل ما يلابس فعل الإنسان من خارجه فإن التيسير والصرف يشملها كذلك حتى يتم الفعل أو تنتفي موانعه وتحصل مقتضياته . وذلك لأن الاستخارة إنما تكون لما يريد الإنسان حصوله أو عدم حصوله في الزمان المستقبل وهو مما يختص اللّه بعلمه وهو سبحانه علام الغيوب . والحديث الذي وردت فيه الاستخارة جاء بأسس ثلاثة للاستخارة : العلم الشامل والكلي للّه سبحانه أمام علم الإنسان الجزئي والناقص ، والقدرة الكلية الشاملة للّه سبحانه أمام قدرة الإنسان المحدودة أو استطاعته التي لا تقارن بقدرة خالقه عز وجل . وثالثا : فضل اللّه العظيم وعطاءه أمام عجز الإنسان واحتياجه . كما أن الاستخارة ترتبط من حيث العمل الإنساني بأمور ثلاثة أيضا : الدين والدنيا والآخرة . فالخير ما اجتمعت فيه هذه الأمور الثلاثة . والشر ما افترقت فيه .